محمد بن جعفر الكتاني

275

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وقوله : علم الحقائق دركت * بشهود سر المعاني كأس المحب شربت * الحبيب بيدّ سقاني وقوله : برّي وبحري محقّق * والكل مجموع فيّ الكون مني تفرق * والحق مشهود في إلى غير ذلك . وكم من مرة رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو يعرض عليه شيئا من صلواته وهو عليه السلام يضرب على صدره الشريف ويتمايل فرحا وطربا . لقيته [ 244 ] وجالسته وذاكرته وانتفعت به ، وسمعت منه أمورا عجيبة تدل على علو مقامه وكبر معرفته باللّه عزّ وجل . وكان كل من جالسه وذاكره في هذا المقام يقضي منه العجب ؛ إلا أنه كان له كلام هزلي وأمور تشبه أمور الملامتية يدفع بها عن نفسه . أخذ عن الولي الصالح المجذوب : مولاي التقي بن عبد الكبير العلوي دفين خارج باب الفتوح ، ولازمه مدة يلتمس فيها من بركاته ، ويستنشق طيب نفحاته ، وكان يذكر أن ما أفيض عليه من الخيرات والبركات إنما هو بسببه وعلى يده ، وينتسب له انتساب التلميذ لشيخه ، وينسبه لمقام عال في الولاية ، وتبرك بغيره من الأولياء ، والصلحاء الأتقياء . ولد - رحمه اللّه - سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف بالصحراء ، ولما ترعرع ؛ قدم فاسا مع والده واستوطنها إلى أن توفي بها قرب زوال يوم الاثنين عاشر رمضان المعظم عام واحد وثلاثمائة وألف ، بعد أن مرض نحوا من ثمانية عشرة يوما ، وعدته في مرضه المذكور مرارا ، وبأول مرة دخلت عليه ؛ أشار لي بدنو أجله وانتقاله إلى الدار الآخرة من ذلك المرض ، وقال لي حين دخلت عليه : « آخر صلاة عملتها في الدنيا هي كذا وكذا وسردها علي - وها هي عند فلان - لرجل من أصحابه - فهي آخر صلاة عملتها في الدنيا . . . » . وجعل يكرر ذلك ويقول : « الوصية حسنة » ، وكذا قال لبعض أصحابنا الأخيار لما دخل عليه يعوده : « الفخار إذا عاب ، ما يرفده غير مولاه » . وبقي - رحمه اللّه - على عقله يعرف كل من دخل عليه ويميزه ويكلمه ، ويتكلم بما يبهر العقول في التوحيد والحقيقة المحمدية ؛ إلى أن توفي وصلي عليه من يومه بضريح مولانا إدريس رضي اللّه عنه ، بعد هبوط العصر ، ودفن بالروضة المذكورة فوق قبة سيدي محمد بن علي ، بينه وبينها نحو الثمانية أذرع ، يتصل رأسه بحائط روضة سيد يعلى .